الثلاثاء, 05 تموز/يوليو 2016 12:02

وما أدراك ما ليلة القدر(9)

 

 

[هل يمكن تحقق الايمان -الذي هو من الرحمة الرحيمية -لنفوس من غير المسلمين؟]

 

** دلائل "عدم امكان حصول الايمان لغير المسلم":

*** الدليل الاول: عدم توفر "معيار مقبولية الاعمال" في عمل غير المسلم:

وهذا الدليل يتم ويبرز عبر ذكر مقدمات ثلاثة:

المقدمة الاولى:

ان "معيار مقبولية العمل عند الله" هو حصوله مصحوبا بتوفر التقوى في عامله. وهذا مما يستفاد من الآية الشريفة: "انما يتقبل الله من المتقين".

المقدمة الثانية:

ان العمل الذي لا يتوفر فيه معيار المقبولية عند الله، فهو عديم المكانة في منظومة الايمان، وفاقد القيمة في مجموعة الهداية.

المقدمة الثالثة:

ان التقوى (والذي هو معيار مقبولية العمل) غير قابل للتحقق في غير حوزة الاسلام.

النتيجة:

ان الاعمال التي يقوم بها غير المسلم يفقد معيارية القبول، فلا تقرب فيه ولا هداية تترتب عليه.

*** مناقشة الدليل:

ان المقدمة الثالثة (عدم امكانية حصول التقوى في نفس غير المسلم) غير مسلم بها، بل الأمر أكثر من ذلك؛ فخلافها مسلم به.

وذلك لأن الاوصاف التي صرح القرآن بتحققها لبعض اهل الكتاب (والتي أسلفنا ذكرها) تدل بوضوح تام على امكانية تحقق التقوى في نفس من يكون من أهل الكتاب.

أتظن ان يحسب كتابي من الصالحين (كما صرح القرآن بذلك) وهو يحسب مع ذلك من غير المتقين؟!

أتظن ان هذه الصالحية (التي يتحدث عنها القرآن وينسبها الى بعض الكتابيين) هي ظاهرة بمعزل عن ظاهرة الايمان والتحول الإيماني؟!

الحقيقة أن كلمة "الصالح" ليس عنوانا عاديا في الادبيات الدينية؛ بل هو من أبرزها معنى، وأقواها مفهوما، وأشدها تركيزا عليه، واوضحها علامة على توفر التقوى.

وكذلك الأمر بالنسبة الى سائر الصفات التي وردت في حق بعض أهل الكتاب.

*** الدليل الثاني: عدم مقبولية غير الاسلام:

وهذا الدليل متكون من مقدمتين:

المقدمة الاولى:

ان انتحال أي دين غير الاسلام فهو غير مقبول؛ وذلك بنص من القرآن، قال سبحانه:

"ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه".

المقدمة الثانية: 

إذا كان الدين نفسه غير مقبول فان الاعمال التي تتحقق داخله وبالاعتماد عليه، فهي غير مقبولة؛ اذ ان المنشأ إذا كان غير صحيح فالناشئ منه مثله ايضا، والا فيفرق بين الاصل والفرع.

والنتيجة: 

ان الرحمة الرحيمية (التي تتمثل في الاعمال المقبولة) غير متحققة عند غير المسلم.

*** مناقشة الدليل الثاني:

أولا: ان الدليل أخص من المدعى:

اذ أن الكثير من اهل الكتاب ليسوا ممن حصلت لهم المعرفة بالإسلام او من الجاهلين المقصرين بالنسبة اليه، حتى ينطبق عليهم موضوع الآية، (ومن يبتغ غير الاسلام دينا)، فانه ينطبق على العارفين والجاهلين المقصرين فقط.

ثانيا: امامنا مقولتان يجب ان لا نخلط بينهما، وهما:

• مقولة "عدم مقبولية غير الاسلام" 

• مقولة "عدم الجدوى في الذي يقوم به غير المسلم من الذكر والدعاء و الاعمال الخيرية والبرية و...."

فان المقولة الاولى صحيحة في حق الجاهلين المقصرين فضلا عن العارفين بالإسلام، بينما المقولة الثانية غير صحيحة. 

كيف وعلى أي اساس نقول بعدم الجدوى في اعمال غير المسلم؟! 

فمن يقول بذلك مستدلا بانه لا يقبل دين من ابتغى غير الاسلام اجتهاد في مقابل النص.

اجتهاد من الآية (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه) في مقابل تلك الآيات الصريحة التي وصفت بعض اهل الكتاب بصفات تدل بوضوح على أن اعمالهم تتمتع بالصلاحية والخير، أو الآيات التي تحكي عن وجود الخيرات والمؤهلات عندهم.

فان ابتغاء غير الاسلام ذنب يرتكبه العارف بالإسلام او الجاهل المقصر بالنسبة اليه وهو لذلك الذنب يكون مسؤولا امام الله ولكن:

- - هل من الصحيح والمعقول أن يقال: انه من ثبوت هذا الذنب وثبوت هذه المسؤولية نتطرق الى "فكرة عدم وجود الجدوى من حيث الايمان في اعمال غير المسلمين"؟! 

كلا وابدا! سيما بعد أن نرى نصوصا تدل بقوة على ثبوت هذا الجدوى في اعمال مجموعات من غير المسلمين.

- - هل من الصحيح والمعقول ان نصنع من الذنب الذي يكون حاصلا كأمر بين الشخص مع ربه (حيث يقول سبحانه: فلن يقبل منه) أن نصنع منه أداة لمكافحة صاحب هذا الذنب (القائم بينه وبين ربه) وحجة لإذهاب حياته (نعوذ بالله) ووسيلة

لإسقاط انسانيتنا في ساحة الحياة الجميلة الانسانية وسببا لإذهاب مشروع الخير الانساني والديني (بالمعنى العام) في المجتمع البشري والمجتمع الأدياني وقاعدة لإبادة الاخلاق الفطري الذي يرتزق ديننا منه؟! كلا وأبدا؟! 

فذا كان ذاك ذنب فهذه المكافحة ذنب أكبر، ولو كان ذاك ذنب بينه وبين الله يضر بصاحبه لو يشاء الله، فان هذا المنطق المكافحي الهدام اساس لذنوب اجتماعية (بل تاريخية في بعض الظروف) هي متعددة الجنسيات وتضر بالدين والانسانية والأديانية والطبيعة و.... كما نشاهد ذلك اليوم من اصحاب هذا المنطق.

- - هل من الصحيح والمعقول ان يقال ان هذه الفكرة (اعمال الاخرين من العباد ساقطة من الرأس لا جدوى فيها) تتلائم مع المنظومة الفكرية الدينية؟! مع ان المنطق الديني هادف الى بث الخير وتقوية الكلمات السواء الخيرية والمعرفية بين الناس؟!

 

قراءة 11182 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة