الأربعاء, 19 تشرين1/أكتوير 2016 10:24

السلوك الحسيني وتجلية تناغمية الدين مع القيم الإنسانية

 

 إن الظروف التي نعيش فيها حساسة وتاريخية للغاية، ذلك لظهور ووجود مجموعات متطرفة تمارس في المنطقة والعالم أبشع أنواع العنف باسم الجهاد وبالاعتماد على طاقاته وقدسيته.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إن الظروف التي نعيش فيها حساسة وتاريخية للغاية، ذلك لظهور ووجود مجموعات متطرفة تمارس في المنطقة والعالم أبشع أنواع العنف باسم الجهاد وبالاعتماد على طاقاته وقدسيته.

 

وقد انعكس هذا الوضع المأساوي سلبا على نظرة الكثير من الجيل الحاضر الى الشريعة، وأوجد أبغض رؤية تجاه مصطلح الجهاد ومفهومه في الأذهان وفي الأوساط العالمية المختلفة.

 

من هذا المنطلق، تُستشعر- أكثر من أي وقت مضى- ضرورة التحليل الثقافي للعاشوراء سيما من خلال التركيز على عنصر الجهاد ومقوماته وعناصره.

 

فقد برزت المفاهيم الإنسانية المتعالية في جهاد عاشوراء وحظيت بتأكيد شديد، مما أثبت أن السلوك الاسلامي في الجهاد لا بد أن يتقيد بقيود تتلاءم مع الطبيعة الانسانية.

 

واليك بعض ما برز وانعكس في السلوك الحسيني من القيم الإنسانية:

 

◾عدم التجاوز عن الخطوط الحمراء الانسانية:

 

فقد أثبت الإمام (ع) بجملته الشهيرة (كونوا أحراراً في دنياكم) أنّ الجهاد في منظوره لا يغاير التحرر والرؤية الإنسانية، بل إنّ هذا الجهاد مقيد بقيود تقبلها الطبيعة الإنسانية والفطرة البشرية حتى مع قطع النظر عن الدين.

 

ثم إنّ قول الإمام (ع): (إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم) للعدو حينما تصرف بشكل غير إنساني وهاجم خيم النساء والأطفال يكشف من جهة أنّ هذا التصرف كان قد تجاوز للخطوط الإنسانية الحمراء، ومن جهة أخرى أنّ مثل هذا التصرف غير منسجم مع الدين والطبيعة الإنسانية عموماً.

 

وعليه، يلتقي الدين مع الفطرة بحسب كلام الإمام (عليه السلام) في لزوم إدانة هذا العمل الشنيع من العدو الذي هاجم النساء والأطفال في خيامهم؛ بمعنى: لو لم يكن لكم دين كي لا تتصرفوا هكذا فكونوا انسانيين على الحد الادنى كي لا تتصرفوا هكذا، فيستفاد من ذلك أن الدين والانسانية تنتهيان بالإنسان في هذا المجال الى نقطة واحدة، وان الخط الاحمر في ذلك لدى الانسانية نفسه لدى الدين أيضا.

 

◾ رفض الذل:

 

يعدّ عنصر عدم القبول بالذل عنصراً إنسانياً- إسلامياً آخر في ثورة الإمام الحسين (ع)، حيث تجلى هذا العنصر بأبهى صوره في الجهاد العاشورائي، سواء في سلوك الإمام (ع) أم في أقواله وكلماته.

 

ولقد قال للقوم: 

 

"والله لا اعطيهم بيدي اعطاء الذليل ولا افر فرار العبيد".

 

وكذلك قال لهم:

 

" ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ، ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام ، على مصارع الكرام ، الا واني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر".

 

◾ مناهضة العنف:

 

ففي الوقت الذي تحمّل الإمام الحسين (عليه السلام) أقسى أنواع العنف والإرهاب والظلم، جسّد في عاشوراء سلوكاً متميزاً كان من أهم رسائله أنّه لا وجود ولا مصداقية للإرهاب في منطق الإسلام.

 

فلم يكن الإمام بصدد ممارسة العنف والقتل حيث قال: (فانظروا هل يحلّ لكم قتلي؟)، فنسب القتل والحرب إلى الطرف المقابل، وسعى إلى منع إراقة الدماء والحيلولة دون وقوع هذه الحادثة. وكذا قوله: (ولا تعجلوا حتى أعظكم)، فدعا القوم بهذا الكلام إلى الكفّ عن العنف والتطرف والقتل بغير حق.

 

فان سيد الشهداء (ع) يجسّد هذا السلوك الرفيع حتى في أشدّ لحظات الحرب وحتى بعدما سقط كثير من أهل بيته وأصحابه صرعى على وجه الأرض أيضاً.

 

على أنّ هذا السلوك الراقي من الإمام (الدعوة إلى إنهاء القتال) لم ينشأ من القبول بالذل أو الخوف من الموت مطلقاً؛ ذلك أنّه شدد مراراً وبمنتهى الصراحة على عدم قبول الذل، وإنّما منشأ ذلك هو الرغبة في تجسيد هذا السلوك الإسلامي وإثبات أنّ العنف والإرهاب خط أحمر.

 

على أنّ الإمام (عليه السلام) لم يكن يرضى بالذل والعار بتاتاً، وكان يرى عنصر الجهاد منفصلاً عن الجهاد المقرون بالعنف، حيث كان بصدد القيام بنهضة رامية إلى إصلاح مشاكل الأمة الإسلامية بعدما واجهت أوضاعاً عصيبة ومأساوية من حيث العدل والقيم الإسلامية والإنسانية.

 

ولقد أثبت الإمام الحسين (ع) وفي أصعب الظروف من خلال التأكيد على المفاهيم الدينية أنّ الجهاد لا يساوق العنف والتطرف، بل الجهاد يقع في الطرف المقابل للعنف؛ لأنّ عناصر كلّ منهما تختلف عن عناصر الآخر.

 

◾المشاعر الانسانية:

 

إنّ من أهم مقومات الجهاد من منظور الحسين (ع) عنصر "امتلاكه للعاطفة الإنسانية"؛ حيث كانت تصرفات الإمام الحسين (ع) يوم عاشوراء ذاخرة بالمشاعر والعواطف والنظرة الإنسانية حتى تجاه جيش العدو، بينما وقف في الطرف المقابل أناس قساة وعصاة وفاقدون للإنسانية والرحمة.

 

◾ المحاولة للحيلولة دون وقوع الحرب:

 

إنه في قيام عاشوراء، لم يكن الإمام وأصحابه يرغبون بقتل أي شخص ولا البدء بالقتال وإطلاق شرارة الحرب، فمن الواضح لمن يتابع أحداث تلك الثورة أن أصحاب الإمام كانوا يتحاشون مباغتة العدو والبدء بقتاله، بل وحاولوا قدر الإمكان منع الطرف الآخر من مواصلة الحرب حتى بعد وقوعها. 

 

ومن كلماته التي تبرز ذلك:

 

▪مخاطبة القوم قبل بدئهم بالحرب: "ولا تعجلوا .... فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة".

 

▪قول الامام للقوم: "ولا تعجلوا .... فدعوني أنصرف عنكم الى مأمني من الارض".

 

▪قال الحسين ع لأصحابه: "فإني أكره أن أبدأهم بقتال".

 

النتيجة:

 

1. إنّ السلوك العاشورائي الحسيني يبين بشكل لا نظير له حقيقة التلاؤم بين الدين والفطرة؛ ولذا كان هذا السلوك مهوى أفئدة الناس بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم وكثير من الفئات البشرية من غير المسلمين ومحطّ اهتمامهم وتأملهم وشغفهم طيلة التاريخ، ولم يحصل ذلك اعتباطاً وجزافاً، بل كان نتيجة طبيعية لهذا السلوك الصافي الانساني للحسين (ع).

 

2. إنه قد تجلى عنصرا الصدق والشفافية بشكل لا مثيل له في سلوك الإمام الحسين (ع)، وفي الوقت ذاته كشف ذلك عن الوجه القبيح والأخلاق اللاإنسانية والعنف المفرط لدى الطرف المقابل.

 

3. ففي الوقت الذي تحمّل الإمام الحسين (عليه السلام) أقسى أنواع العنف والظلم، جسّد في عاشوراء سلوكاً متميزاً يستفاد منه أنّه لا وجود للإرهاب والعنف في منطق الإسلام.

 

4. إن الجهاد العاشورائي إنساني بكل ما للكلمة من معنى ومقيد بالقيم الإنسانية والفطرية.

 

قراءة 11995 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة