الأربعاء, 04 نيسان/أبريل 2007 12:11

ندوة فقه النوازل وتجديد الفتوى

  ندوة فقه النوازل وتجديد الفتوى


على عادتها في إقامة ندوةٍ أَو مؤتمرٍ فقهي كل عام، أقامت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانية ندوتَها السادسةً هذا العام (1-4 أبريل 2007) في موضوع: فقه النوازل وتجديد الفتوى. وقد قُدّمَ للندوة زُهاء العشرين ورقةً وبحثاً، تناول فيها الباحثون مسائل الفتوى والتجديد والاجتهاد في القديم والحديث، بما في ذلك الشخصيات والمناهج والمصطلحات والأصول والمآلات.

 تحدث الدكتور أحمد الخمليشي مدير دار الحديث الحسنية بالمغرب عن (ظهور مصطلحي الفتوى والنوازل وتطورهما) فذكر الأبعاد اللغوية والمصطلحية للفتوى والنازلة، واستظهر برأيي الشاطبي والقراشي ليصل إلَى أهمية الفتوى وحساسيتها من حيث إنّ المفتي مبلِّغٌ أَو شارع. وقد سارع الأستاذ الخمليشي إلَى تجاوز المرحلة الكلاسيكية ليتحدث عن شكل الأزدواجية بين القانون والفتوى، واقتراح حلولاً للمشكل قبل التفاقم أَو لتجاوُزه.

وقرأ رضوان السيد التاريخ الفقهيَّ الإسلامي والإباضيَّ الأول، وتوصل إلَى أنّ كتب الفقه العامة أَو الشاملة لدى الإباضية إنما تطورت عن السؤالات والجوابات أَو الفتاوى. ولعب الدور الأكبر فيها كلٌّ من جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة فالربيع بن حبيب. ورأى الباحث أنّ سرعة النضج في الفقه لدى الإباضية جاءت من ظهور الدولة لديهم في النصف الأول من القرن الثاني الهجري في كلٍ من عُمان والمغرب. وقَصَر الباحثُ الشابُّ الحاج سليمان بابزيز بحثه على دراسة فتاوى الإمام جابر بن زيد (-93هـ)، فدرس توجُّهاته وأُصوله، ومنهجه، ثم تعرض للمشكلات التي عالجها الرجل في فتاويه، والنتائج التي أدى إليها اجتهادُهُ في المذهب الإباضي، وفي المذاهب الإسلامية بشكلٍ عام. ودرس الباحث الشيخ أفلح بن أحمد الخليلي في ورقته أثر أبي عبيدة والربيع بن حبيب في ظهور أدب الفتوى في الفقه العثماني. ذلك أنّ الرجلين هما مؤسّسا الفقه الإباضي على الحقيقة، وقد دخلت أكثر فتاويهما واجتهاداتهما في صُلْب المذهب؛ كما جرى التخلّي عن بعضها في القرون اللاحقة. وتابع الدكتور مبارك بن عبد الله الراشدي (من كلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس) الاهتمام بالفقه العُماني بدراسة التجديد الفقهي وفقه النوازل لدى الشيخ أبي نبهان الخَروصي من القرن السابع عشر الميلادي. ذكر الباحث الآثار العلمية للشيخ، وقسّم اجتهاداته في ثلاثة مجالات، وقرأها بدقّةٍ، ثم ذكر النتائج التي توصل إليها.

وقد اهتمّ الأستاذ الدكتور أحميده النيفر من جامعة الزيتونة بتونس بدراسة فتاوى الونشريشي، المجموعة من مطلع القرن العاشر الهجري. واعتبر الأستاذ النيفر أنّ فقه النوازل هو في الواقع فقه الواقع أَو الأولويات. وعلى هذا الأساس راقب مسالك الونشريشي إزاء مشكلات عصره ومسائله وما هي النظرات التي توصل إليها. وعاد الفقيه اليمني الشيخ عبدالله العزّي إلَى أصول الفتوى في سائر المذاهب الفقهية مراعياً بصفةٍ خاصّةٍ المذهبين الزيديوالإباضي؛ وذلك في بحثٍ بعنوان: (الفتوى والمرجعية والتقليد في المذاهب الفقهية). وقد وجد الشيخ الباحث تلاقياً كبيراً بين الفقهاء في أصول الفتوى وشروطها ووظائفها. وخلص الأستاذ الدكتور محمد كمال إمام في ورقته عن (قضايا النوازل في فقه المعاملات بين المذاهب الإسلامية وتجديد الفتوى) إلَى أنّ الفتاوى إنما كانت اجتهاداتٍ في التصدّي للمشكلات العارضة أَو الطارئة، ومثلّت جهداً أصيلاً ينبغي الاهتمام به وتطويره في أزمنة المتغيرات المعاصرة.

ودرس الباحث الشاب معتز الخطيب في بحثه: (مسالك الفتوى في الإسلام المعاصر وجدلية الفقه والسياسة) واعتبرها أربعةً هي المسلك القياسي، والمسلك المصلحي (مقاصد الشريعة)، وجدلية العلاقة بين الفقه والسياسة، وأخيراً ظاهرة الفتاوى السياسية وإشكالاتها.

وهدف الأستاذ الدكتور عبد الله مبروك النجار، الأستاذ بجامعة الأزهر، إلَى قراءة (فقه المستجدات وأثره في توجيه الاستدلال). فعالج في الحقيقة انطلاق الفتوى من الاستدلال واستهدافها مصالح العباد خدمةً وتطويراً وتدبَُراً وتقديراً. ومن هذا المنطلق تعرض لموضوعاتٍ تتصل بالأطروحات الحديثة في الاقتصاد وتسيير أمور الشأن العامّ والجهاد والحركة الحضارية في العلاقة مع العالم. واعتبر الدكتور يحيى بن البراء الأستاذ بجامعة نواكشوط أنّ وظيفة الفتوى إنما هو التجديد، ودرس تدليلاً على ذلك (حركة الإصلاح الإسلامي) ومسلكها في التجديد استناداً إلَى أفهامٍ معينةٍ للتحديات والمصالح. أمّا حُجّة الإسلام مبلَّغي الفقيه الإيراني المعروف فقد بحث الفتاوى الفقهية في ضوء الأدلة والقواعد. وهذا مبحثٌ دقيقٌ أمضى به إلَى قراءةٍ جديدةٍ في فقه التعليل، وفي فقه المقاصد، لينتهي إلَى أنّ القواعد الفقهية تشكّل ضوابط لاغنى عنها في قراءة المتغيرات العصرية.

وكانت أطول بحوث الندوة بحثي الدكتور الحسين شواط عن (فقه النوازل في الغرب)، والدكتور رجب أبو مليح عن (ضوابط الإفتاء في فقه النوازل). الحسين شواط ذكر نوازل عصرية كثيرة، وذكر ما قيل فيها من آراء وما طُبّق فيها من اجتهادات، وحدَّد الضوابط من قياسٍ ومصلحةٍ واعتباراتٍ أُخرى، والتي ينبغي تفعيلُها لاستقامة النظرة والطريقة. وسلك المسلك نفسَه الدكتور أبو مليح، إذ عرض نوازل عصرية كثيرة، ورفض تارةً الحلولَ المعروضةَ لها، في حين قبل بعض تلك الحلول استناداً إلَى ضوابط تقليدية وأُخرى اجتهادية. ونظر في ذلك كلِّه للجمع بين التجديد الفردي، والاجتهاد الجماعي.

وانصبّت ثلاثةُ بحوثٍ على دراسة مسألة الفتوى، ومسالك الاجتهاد في الفقه العُماني في الأزمنة الحديثة من خلال متابعة عمل ثلاث شخصياتٍ بارزة: الإمام نور الدين السالمي (وقد درس جواباته الباحث المعروف عبدالستار أبو غُدَّة)، والشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (وقد درس فتاويه الشيخ سعيد بن راشد السليماني)، والمفتي الشيخ أحمد الخليلي (وقد درس فقهه وفتاويه الدكتور خلفان بن سنان الشعيلي).

عالجت البحوث الثلاثة أصول الاجتهاد لدى الشيوخ المجتهدين، ودرست الأهداف المتوخَّاة لدى كلٍ منهم، والتي يُظهرها النشاط التأليفي، والعمل الديني، والعلاقة بالشأن العامّ.

لقد كانت إشكالية الفتوى وما تزال هي إشكالية مواجهة المتغيرات، وتطوير فقهٍ للواقع يشخّصه ويعالجه، ويفتح أفقاً مستقبلياً للجماعة المؤمنة ضمن الأُفق الإسلامي، والأُفق العالمي العام. وبهذا المعنى فإنّ الندوة قطعت شوطاً واسعاً في تحقيق الهدف المتوخَّى، وأكّدت على استمرارية المسار بتوزيع كتاب الندوة السابقة عن (مقاصد الشريعة) تأصيلاً وآفاقاً.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة